ثورة في علاج الخصوبة بفرنسا وأوروبا: أبحاث لتجديد البويضات وتأخير الشيخوخة
تسعى أبحاث أوروبية رائدة إلى إبطاء تدهور البويضات وتحسين جودتها وراثياً لدعم فرص الحمل المتأخر. وتكتسب هذه الابتكارات اهتماماً كبيراً في فرنسا مع استمرار تراجع سن الإنجاب وتزايد اللجوء لتقنيات التلقيح الاصطناعي.
- شركتان أوروبيتان تطوران جزيئات مبتكرة لتقليص التشوهات الصبغية في البويضات بنسب تصل إلى النصف.
- النتائج الأولية تبشر برفع معدلات نجاح التلقيح الاصطناعي في ظل تأخر سن الأمومة الملحوظ في فرنسا.
- أطباء وخبراء فرنسيون يدعون للحذر بانتظار تجارب سريرية وولادات حقيقية تؤكد سلامة هذه التقنيات.
بينما ينتج الرجال الحيوانات المنوية باستمرار، تواجه النساء سباقاً حتمياً مع الزمن، إذ يولدن بمخزون محدد من الخلايا التناسلية يتناقص تدريجياً وبلا رجعة. ففي الشهر الخامس من الحمل، يحمل الجنين الأنثى أزيد من 6 ملايين بويضة، لينخفض هذا العدد إلى مليون عند الولادة، ثم إلى نحو 300 ألف مع أول دورة شهرية، لتتسارع بعدها وتيرة فقدان البويضات وتراجع جودتها مع التقدم في العمر، مما يقلص فرص الحمل الطبيعي.
وتكتسي هذه الإشكالية البيولوجية أهمية مضاعفة للأسر والمقيمين في فرنسا، حيث يستمر سن الأمومة في التراجع لأسباب اجتماعية ومهنية، ما يدفع الكثيرين نحو مسارات الإنجاب المساعد طبياً (PMA). وفي إطار المساعي العلمية لكبح هذا التدهور، تنافست شركتان أوروبيتان خلال مؤتمر الجمعية الأمريكية لطب الإنجاب (ASRM) في تقديم وعود غير مسبوقة تهدف إلى "تجديد" البويضات وإبطال آليات تلفها الصبغي.
سباق مخبري لإصلاح الخلل الصبغي
تعود جذور هذا التقدم إلى أبحاث أجراها فريق معهد "ماكس بلانك" في غوتينغن بقيادة عالمة الكيمياء الحيوية الألمانية ميلينا شو (Melina Schuh). وأظهرت الدراسات أن جزءاً كبيراً من البويضات يفقد تماسكه الجيني؛ فبدلاً من حمل 23 صبغياً (كروموسوم) بدقة لتلتقي مع نظيراتها الذكرية، تظهر اختلالات عددية تجعل الجنين غير قابل للحياة. وكانت دراسة نشرت عام 2014 في مجلة Fertility and Sterility قد كشفت أن أكثر من نصف النساء بعمر 44 عاماً لم يكن لديهن أي جنين سليم صبغياً، مقارنة بأكثر من 94% لدى النساء دون سن 37 عاماً، وهو ما يفسر أيضاً فشل أكثر من 25% من عمليات التلقيح الاصطناعي (FIV) في أيامها الأولى.
واكتشف الباحثون أن المادة الرابطة للكروموسومات، المعروفة باسم "كوهيسين" (Cohésine)، تتآكل بمرور السنوات بسبب نقص بروتين حامٍ يدعى "شوغوشين 1" (Shugoshin 1). وبناءً على هذه المعطيات، أسست ميلينا شو في يناير 2025 شركة "أوفو لابس" (Ovo Labs)، التي طورت منتجاً أطلقت عليه اسم "EmbryoProtect 1" ليُحقن مباشرة في البويضة دون إخضاع المرأة لعلاجات دوائية عامة ومرهقة، ونجح المركب في تقليص الاختلالات الصبغية إلى النصف لدى الفئران وكذلك في تجارب أولية على نحو 100 بويضة بشرية تبرعت بها متطوعات.
تقنيات منافسة وآمال مشروطة
على خط موازٍ، أعلنت شركة "يو-بلويد" (U-Ploïd) المنبثقة عن جامعة أكسفورد عن مقاربة مكملة؛ فبدلاً من دعم بروتينات التماسك، تعمل جزيئتها المسماة "ليفانتا" (Lyvanta) على كبح الإنزيمات المسؤولة عن تفتيت روابط الكروموسومات. وأكدت الشركة خلال مؤتمر (ASRM) أن نسبة البويضات الخالية من العيوب الصبغية بلغت 66% بعد المعالجة، مقابل 36% دون علاج، مما يعني زيادة في البويضات السليمة بنحو 84%. وتجري الشركة حالياً مباحثات مع السلطات الصحية الأوروبية والبريطانية لبدء تجارب سريرية، مؤكدة أن أي طرح تجاري لن يتم قبل سنوات عدة.
حذر في الأوساط الطبية الفرنسية
ورغم الآمال المعلقة على هذه النتائج التي تداولتها صحف عالمية، إلا أن الأوساط الصحية الفرنسية تدعو إلى التأني وعدم الإفراط في التفاؤل؛ إذ يؤكد الدكتور سمير حمامة، استشاري أمراض النساء في مستشفى "أمبرواز-باري-هارتمان" والرئيس المشارك للجنة الوطنية لقيادة "خطة الخصوبة" المرتقب تسليم توصياتها لوزيرة الصحة ستيفاني ريست (Stéphanie Rist)، أن "الطريق لا يزال طويلاً". وأوضح أن اعتلالات الصبغيات ترتبط أحياناً بعوامل ذكورية بنسبة تتراوح بين 5 و8%، مذكراً بأن العديد من الإعلانات في مجال الإنجاب المساعد لم تترجم إلى نجاحات عملية.
من جهته، حذر عالم الوراثة وخبير الخصوبة جان بيير سيفروا (Jean-Pierre Siffroi) من أن التأكد التام من نجاعة وسلامة هذه التقنيات يتطلب دراسات موسعة ومتابعة دقيقة لمواليد حقيقيين وُلدوا عقب هذه المعالجات، لضمان عدم وجود أية آثار جانبية طويلة المدى على صحة الأطفال.
المصدر: L’Express





التعليقات (0)
يجب تسجيل الدخول للتعليق على المقالات.
دخول حساب جديدكن أول من يعلق على هذا المقال.