مظاهرات الشباب في فرنسا: حين تصبح الشوارع ملاذاً للهروب من العزلة الرقمية و"الركود الجنسي"
تشهد الشوارع الفرنسية حراكاً شبابياً متصاعداً لا يقتصر على رفض غلاء المعيشة وضغوط الدراسة، بل يعكس أزمة عزلة اجتماعية حادة فاقمتها الشاشات. ويتقاطع هذا الغضب الطلابي مع مؤشرات مقلقة حول تراجع العلاقات الإنسانية والركود السكاني غير المسبوق في فرنسا.
- المظاهرات الطلابية تتحول إلى مساحة للتواصل الواقعي عقب حظر الهواتف الذكية في الثانويات الفرنسية منذ أول سبتمبر.
- مؤشرات واستطلاعات تؤكد تراجع النشاط الجنسي والعاطفي بين الشباب في فرنسا، وتفضيل الشاشات على اللقاءات المباشرة.
- فرنسا تسجل في عام 2025 تراجعاً ديموغرافياً هو الأول منذ 1945 وسط أزمات السكن وضغوط خوارزميات التوجيه المدرسي 'باركورسوب'.
في تجربة توثيقية استمرت ستة أشهر داخل قطارات مترو باريس، صوّرت المخرجة جيرالدين جاي سروسي مع الكاتب بنجامين سير وجوه الركاب عن قرب دون أي تمويه. النتيجة كانت لافتة وصادمة في آن واحد؛ لم يلاحظ أحد وجود الكاميرا على بعد سنتيمترات قليلة، إذ كان الجميع مشدودين إلى شاشات هواتفهم الذكية، غارقين في عزلة تامة تعكس واقع الفضاء العام في فرنسا، حيث انعدمت النظرات المتبادلة وتلاشت فرص التعارف والتواصل العفوي.
من الشاشات إلى الشارع: كسر العزلة الخوارزمية
منذ منتصف شهر سبتمبر، بدأت حشود من طلبة الثانويات والجامعات بالنزول إلى شوارع المدن الفرنسية، والتحق بهم لاحقاً نشطاء "السترات الصفراء" والنقابات العمالية احتجاجاً على "غلاء المعيشة". اللافت في هذه المسيرات لم يكن الشعارات الاقتصادية فحسب، بل الحيوية التي طغت على التجمعات؛ أزياء تنكرية، ولافتات ساخرة مثل: "يمكنكم حرماننا من هواتفنا لكن لن تسلبونا أصواتنا"، في إشارة مباشرة لقرار حظر الهواتف الذكية في جميع المدارس الثانوية المطبق منذ 1 سبتمبر.
يرى الفيلسوف ديني مايار، مؤلف كتاب "غضب فرنسي"، أن التظاهر أصبح بالنسبة لهذا الجيل وسيلة حيوية لاستعادة التواصل الجسدي والاجتماعي بعد العزلة التي فرضتها الخوارزميات. فالمظاهرات، كما يصفها، أصبحت بمثابة "لحظة تماثلية" تتيح للشباب الخروج من عوالم المنصات الافتراضية للتلاقي في الحياة الواقعية، وكسر جدار الوحدة القاتمة.
أرقام تكشف واقع "الركود الجنسي" وتراجع العلاقات
خلف المطالب المتعلقة بالاكتظاظ المدرسي وتدهور المرافق التعليمية، تشير البيانات إلى أزمة خفية وغير معلنة يعيشها المجتمع والشباب في فرنسا. وفقاً لمسح "سياق الحياة الجنسية في فرنسا"، انخفضت نسبة من مارسوا علاقة واحدة على الأقل خلال العام بين الفئات من 18 إلى 69 عاماً من 89.1% للرجال و82.9% للنساء في 2006، إلى 81.6% و77.2% في 2023. كما كشف استطلاع EnCLASS أن نسبة المراهقين الذين خاضوا تجارب عاطفية وجنسية تراجعت إلى النصف بين عامي 2010 و2022.
الأمر يبدو أكثر وضوحاً لدى الفئات الشابة؛ حيث يفيد معهد "إيفوب" (Ifop) بأن 28% ممن تقل أعمارهم عن 25 عاماً لم يمارسوا أي نشاط جنسي خلال العام المنصرم، في حين فضّل قرابة ثلث الفرنسيين متابعة مسلسل أو تصفح الشبكات الاجتماعية أو ألعاب الفيديو على خوض علاقة حميمة. كما تراجعت نسبة من يعتبرون العلاقة الجنسية أمراً أساسياً في حياتهم بين الشباب (15-24 عاماً) من 62% عام 1990 إلى 38% حالياً، مع إبداء أكثر من نصف الشابات استعدادهن لعيش علاقات أفلاطونية بحتة.
أزمة السكن وخوارزميات "باركورسوب"
تتعدد أسباب هذا الانسحاب الاجتماعي والعاطفي بين الشباب، ويمكن تلخيصها في عوامل رئيسية:
أولاً، الإحلال الرقمي؛ حيث تشير بيانات هيئة "أركوم" (Arcom) لعام 2023 إلى أن 2.3 مليون قاصر يرتادون المواقع الإباحية شهرياً، فضلاً عن قضاء ساعات طويلة أمام الذكاء الاصطناعي وتطبيقات الدردشة. ثانياً، المخاوف المتزايدة المرتبطة بتعقيدات الموافقة وحدود التقارب بعد حراك MeToo، وما رافقه من قلق لدى الذكور، حيث يرى 61% من الرجال بين 16 و34 عاماً أن بناء علاقة أصبح أكثر تعقيداً بحسب استطلاع لـ OpinionWay.
أما العامل الثالث، فيتمثل في العوائق المادية وأزمة العيش اليومي في فرنسا؛ فالشقق في المدن الكبرى تصغر مساحاتها وترتفع إيجاراتها بشكل خانق، ما يجبر الطلاب على السكن المشترك الضيق أو البقاء في منازل ذويهم لفترات أطول (46.1% من فئة 18-29 عاماً عاشوا مع عائلاتهم شهراً واحداً على الأقل سنوياً في 2013). إضافة إلى ذلك، يشبه الفيلسوف ديني مايار منصة التوجيه الجامعي الفرنسية "باركورسوب" (Parcoursup) بتطبيق المواعدة "تيندر"؛ حيث يتم فرز مصائر الطلاب عبر خوارزميات غامضة لا تبرر أسباب الرفض أو القبول، مما يولد إحباطاً متراكماً من "مجتمع التوفيق الآلي".
تباعد مجتمعي وتراجع ديموغرافي تاريخي
يمتد هذا الانكفاء إلى المجال السياسي مسبباً انقساماً حاداً بين الجنسين؛ إذ تظهر البيانات أن 64% من الفتيان (15-17 عاماً) يميلون نحو اليمين واليمين المتطرف بتأثير المحتويات الذكورية عبر الإنترنت، مقارنة بـ 53% من الفتيات يملن نحو اليسار، وفقاً لـ Ifop. كما يرتبط الشعور بالعزلة بارتفاع تقبل العنف السياسي لدى الفئات الأكثر وحدة وتهميشاً.
على الصعيد السكاني، كشفت أرقام عام 2025 عن واقع مقلق للمجتمع الفرنسي؛ حيث سجلت البلاد 645 ألف ولادة مقابل 651 ألف وفاة، ليكون الميزان الديموغرافي سلبياً للمرة الأولى منذ عام 1945، في ظل هبوط معدل الخصوبة إلى 1.56 طفل لكل امرأة. ويبقى الحراك الطلابي في شوارع باريس والمدن الفرنسية بمثابة متنفس مؤقت وصوت ينبه إلى رغبة حقيقية في التواصل الإنساني، قبل أن يعود الجميع أدراجهم مساءً إلى غرفهم الضيقة وشاشات هواتفهم المغلقة.
المصدر: L’Express





التعليقات (0)
يجب تسجيل الدخول للتعليق على المقالات.
دخول حساب جديدكن أول من يعلق على هذا المقال.